الشيخ محمد رشيد رضا

360

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ التقتيل هو التكثير أو التكرار أو المبالغة في القتل ، فأما معنى التكرار أو التكثير فلا يظهر الا باعتبار الافراد ، كأنه يقول : كلما ظفرتم بمن يستحق القتل منهم فاقتلوه . واما المبالغة فتظهر يكون القتل حتما لا هوادة فيه ولا عفو من ولي الدم ، وقد صرح بعض الفقهاء بأن المحاربين المفسدين إذا قدرنا على القاتل منهم نقتله وان عفا عنه ولي الدم أو رضي بالدية . والتصليب التكرار أو المبالغة في الصلب ، فيقال فيه ما قيل في التقتيل . ويمكن تكرار صلب الواحد على قول من قال : ان الصلب يكون بعد القتل لأجل العبرة ، فيصلب المجرم في النهار وتحفظ جثته ليلا ، ثم يصلب في النهار . قال الشافعي يصلب بعد القتل ثلاثة أيام . والظاهر أنهم يصلبون أحياء ليموتوا بالصلب كما قال الجمهور ، والا لم يكن الصلب عقوبة ثانية . وأصل معنى الصلب ( بالتحريك ) والصليب في اللغة الودك ( الدهن ) أو ودك العظام التي يعد صلب الظهر جذع شجرتها ، والصديد الذي يخرج من بدن الميت . قال في اللسان : والصلب مصدر صلبه يصلبه ( بكسر اللام ) صلبا ، واصله من الصليب وهو الودك أو الصديد . . . والصلب هذه القتلة المعروفة مشتق من ذلك ، وقد صلبه يصلبه صلبا ، وصلّبه ، شدد للتكثير . . . والصليب المصلوب اه ويعني بالقتلة المعروفة ان يربط الشخص على خشبة أو نحوها منتصب القامة ممدود اليدين حتى يموت . وكانوا يطعنون المصلوب ليعجلوا موته . والشكل الذي يشبه المصلوب يسمى صليبا . واما تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ، فمعناه إذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى . وفي هذا نوع ما من التكرار فصيغة التفعيل فيه أظهر مما قبله . وما قطع من يد أو رجل يحسم في الحال كما جرى عليه العمل . والحسم كي العضو المقطوع بالنار أو بالزيت وهو بغلي لكيلا يستنزف الدم ويموت صاحبه . وفي معنى الحسم كل علاج يحصل به المراد ، وربما كان الأفضل ما كان اسرع تأثيرا وأقل إيلاما وأسلم عاقبة ، عملا بحديث « ان اللّه كتب الاحسان على كل شيء . فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته » رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن شداد بن أوس